اخر الاخبارثقافة وفنونعمود

” أزقة و وجوه ” للكاتبة السورية كاتيا نوفل

 

. …  …   أزقة ..  و وجوه

نص – الكاتبة السورية – كاتيا نوفل اسكندر

فِي العَاشرةِ صَباحاً، أَو لَرُبما العَاشرةِ إِلَّا رُبع.. للطاولة ذاتِّها، والكُرسي المَكسور .. أَجلسُ فِي الفُسحة الرِّيفية (للقَصيدة) بين شتّلاتِ الذُّرة الفَتيّة، والزَّنبق البّري، والحَائط المَنفي، ذَات العبارة الشهيرة : ( كَان هُناكَ كَلب وقطة، الكَلب أَخرس، فَنبحت القطة)… الحَائط الذي كُل ما أَسقطت مُقلتي عَلى عِبارته الحَكيمة، ضَحكت .. لِتُّقاطع ضِحكتي الهَزليّة، النَّادلة الحَسناء ذَات الشّعر المُكْفَهرِّ سَواداً بِتحيّتها الصَّباحية ..والتّي دائما ما تبدأ ب (كيفك ؟).. وأرد كَعادتي :  “منيحة،منيحة،هَاتيلي قهوة سادة ” .. فتغادرني بابتسامة طَيِّبة لِتُّلبي طَلبي،وَليأتي دوري هُنا بِخلع حِذائي والتَّربع عَلى الكُرسي المَكسور، وَفي كُل مَرّة كُنت أَقترفْ فِعلاً مَجنوناً كَهذا كُنت أَتذكر قَول “مَحمود سَلهب”: (إنتِ يَا كَاتيا مَلكة مِن مُلوك العَفوية )، فَهو فِعلاً لَم يُكذّب خَبر.. لَم أَجد شَخصاً يَتصرّف عَلى طَبيعته بدون ابتذال (كَ كاتيا).. _تَجلب لِي إيفا قَهوتي، وأَلمُّ بَعدها إِلى سَماع (لا عيوني غريبة) لِوديع الصافي،فَلطالما عَشقتُّها فِي الصَّباح.. أَرشف رَشفتي الأُولىٰ ، وأَضيع فِي زَوايا المَكان، أَحملق فِي وُجوه الزَّائرين والمارة واحداً تُلوَ الآَخر.. _لأرى شَابّاً دَواعي المِثلية الجنسية ،قَد نَمت عَلىٰ جَسدهِ، يَضع مَكياجاً،بِكريم أَساس رَخيص ذَات كواليتي مُهترئة، يَربط شَعرهُ بِعشرينَ ظَفيرةٍ وَ ظَفيرة، يمشي فِي الزُّق بِخطواتٍ عَرجاء، يَرتدي مَلابساً وَكأنَّما النِّساء.. _فِي الجَانب الآَخر حَيثُ الطَاولات العَتيقة، أجد فتّاةً بِتّنورةٍ نيِّلية ذات ورود صَيفيّة، وأَحمرِ شِفاهٍ مُغريٍّ وَرائحة عِطرها تقتحم الستائر  والدفاعات الجوانية , قَد دَخلت فِي أَنفي، فَتباً.. يَبدو وكَأنّها تَنتظر العَشيق الذّي تَأخر فَعلاماتُ كَدرِ الانتظار المَقيت قَد ظَهرت عَلى عينيها الشاردة .. _ وفِي الطَّاولة المُجاورة ترىٰ جَمعاً مِن رِجالٍ فِي العَقدِ الخَامسِ والسَّادس،أَفواههم لا تَحتوي أَسنان، بَل مَسكنها دُخانٌّ عَربيٌّ أَصيل، فِي كُلًّ وَجهٍ مِن وجوههم حِكايةً لاَ يعلمها سواهم.. _هُناكَ هِررة مُتسخة،بِنصفِ ذِيول يَبدو أَنها خَاضت مَعركة عَقيمة مَع بعضها البعض _ وَبينَ هَذي الجُموع هُناكَ سَيدة بعباءة سَوداء، وَوشاحٍ أَبيض،يَبدو أَنها دَفنت بِيديها ابنها البكر الذّي رَاحَ ضَحية لِحربٍ قَاهرة.. _وتُقاطعني أَنفاسٌ رَجلٌ مُسنٌّ مُكهلة بِالتَّعب، يَحملُ بيديه اليُمنى خُضاراً، وباليسرى خُبزاً، يَبدو أَنَّ جَيبهُ قَد فَرغ مِنَ النُّقود.. _فِي المنزل المُجاور (للقصيدة) هُناك سَيدة تنَشرُ عِلى حَبلِ الغَسيلِ ملابس داخلية ,  فَترىٰ عُيوناً ذُكوريَّةً ” تتسمر ”  بِشَبقٍ نَحو حَبلِ الغَسيل.. _أَما فِي النافذة القَاطنة خَلف طَاولتي،النافذة ذات السِّتار البُني،تِلَكَ التِّي تُخبأ بَينَ قُضبانها الحَديدية آَلافاً مِنَ الأَسرارِ والأَسرار،أَسمعُ صَوت أَنينٍ يَتليهِ صُراخ.. لأَصل إِلى رَشفة فِنجاني الأَخيرة،وَ أعود لأَرتدي حِذائي، بِعَفويّتي ذَاتِها،نَاهيةً حَملقتي المُعتادة بِأَسىٰ مما أَرى،فَالوجوه الآدمية مُثقلة، مُتعبة، هُناكَ هَمُّ يُخزقها، فَتسقطُ كَالياسمينَ وَتُزهقُ بِنعلِ الأَحذية، فَأدفع حِساب طَاولتي، وأَغادر بِهدوءٍ مُعتبر .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق